ابن تيمية
417
مجموعة الفتاوى
وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَكَانَ أَبُوهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْهَى مِنْ يَقْصِدُهَا لِلصَّلَاةِ فِيهَا وَيَقُولُ : إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا فَإِنَّهُمْ اتَّخَذُوا آثَارَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِيهِ فَلْيُصَلِّ وَإِلَّا فَلْيَذْهَبْ . فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِمَا سَنَّهُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِمْ وَلَهُ خُصُوصُ الْأَمْرِ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ وَبِأَبِي بَكْرٍ حَيْثُ قَالَ : { اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ } . فَالْأَمْرُ بِالِاقْتِدَاءِ أَرْفَعُ مِن الأَمْرِ بِالسُّنَّةِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ . وَكَذَلِكَ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةُ الْمَجِيءِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَشْيَةَ أَنْ يُتَّخَذَ السَّفَرُ إلَيْهِ سُنَّةً فَإِنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ لَمَّا جُعِلَ لِهَذَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ كَوَقْتِ الْحَجِّ الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا لَا فِي قُبَاء وَلَا فِي قُبُورِ الشُّهَدَاءِ وَأَهْلِ الْبَقِيعِ وَلَا غَيْرِهِمْ كَمَا فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ وَفِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ . فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ هَذَا . مَعَ أَنَّهُ صَلَّى التَّطَوُّعَ فِي جَمَاعَةٍ مَرَّاتٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَوَقْتَ الضُّحَى وَغَيْرِهِ وَلَكِنْ لَمْ يُجْعَلْ الِاجْتِمَاعُ مِثْلَ تَطَوُّعٍ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ سُنَّةً كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَكَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْجُمْعَةِ . وَأَمَّا إتْيَانُ الْقَبْرِ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ فَقَدْ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ وَفِي إتْيَانِهِ بَعْد الصَّلَاةِ مَرَّةً بَعْد مَرَّةٍ ذَرِيعَةً إلَى أَنْ يُتَّخَذَ عِيداً وَوَثَناً